Loading ...
Sorry, an error occurred while loading the content.

المسيري مات

Expand Messages
  • Amal Ewida
    المسيري مات   الحادية عشرصباحاً تدق في البي بي سي التي اعتدت سماعها للإحاطة بما دار في
    Message 1 of 1 , Jul 3, 2008
    • 0 Attachment

      المسيري مات

       

      الحادية عشرصباحاً تدق في البي بي سي التي اعتدت سماعها للإحاطة بما دار في العالم في أثناء نومي.

      أخبار تتوالى دون خصوصية تذكر، ثم المذيعة تقول في تقريرية: توفي اليوم في القاهرة اليوم د.عبد الوهاب المسيري، وووووووووولم أستمع جيداً لما قالته بعد ذلك. في ثوان، مرت الصور وأغلبها باسمة وضاحكة يتوسطها  صديقي العجوز المسيري خفيف الظل ذو السبعين ربيعاً حقاً وصدقاً. أتصل بعم محمد الأشول ساعده الأيمن، سألته: ماذا سنفعل، قال أشياء، ولكنها لم تكن ما أقصد السؤال عنه.

      ****

      أذكر أننا حاولنا طيلة الأشهر القليلة الماضية أن نلتقي ليعرف أخباري ويتابع ما أفعل كما يحرص أن يفعل مع المقربين، ولم ننجح. قبل أسابيع وجدته يتصل بي ويسألني عما إذا ما كان لدي وقت لأشاكسه قليلاً فوافقت على الفور ولم أف بوعدي، وفي نهاية الأسبوع نفسه اتصلت به وسألته عن إمكانية معاكسته في ذلك اليوم فرحب على الفور.

      عندما وصلت كان لديه صحفيتين شابتين، أثنى على أدائهما في دبلوماسية وطلب منهما استكمال  الحوار في التليفون. انتهزنا فرصة خلو الساحة من زوجته الطيبة د.هدى لنتبادل قبلات وأحضان صديقين التقيا بعد طول غياب وهو ما كانت تنهانا د.هدى عن فعله لمناعة المسيري الضعيفة التي أنهكتها فيضانات أدوية كيمائية وغيرها. كان يربت على كتفي بسعادة وهو يستمع لكل أخباري وينظر لي في حنان وأنا أتحدث عن توافه انشغالاتي.

      ****

      خطفنا دقائق قطعتها تليفوناته ومتابعاته الصبورة لمساعديه من الباحثين في الطابق الأول، ووصول مساعده لتغيير مكان لوحة انضمت إلى قائمة مقتنياته الفنية. قال لي المسيري في لهجة طفولية: عشان ما يقولوش عليا خايب بقى!

      إذ أنه كان ينفق جزءًا من دخله على شراء لوحات فنية لهواة ومحترفين من مصريين وعرب زين بها بيته الذي تحول إلى متحف صغير يرتاده الأصدقاء الذين احتضنهم المسيري في أسعد وأحلك لحظات حياتهم. ها هو الوقت قد حان للاستفادة من مجموعته في تحقيق أرباحاً ليثبت لأهل بيته نصاحته وقدرته على الكسب من وراء هوايته التي واصلها مصراً على إحاطة نفسه بالجمال الذي انعكس على معاملاته ومنها ما فعله مع إحدى تلميذاته عندما ترك ما وراءه وذهب معها لشراء سيراميك بيتها، وسؤاله عني وقلقه لتغيبي عنه في أحد المرات خوفاً من زواجي من دونه كوكيل.

      *****

      كان المسيري قادراً على أن يجد وقتاً في ظل كل انشغالاته ليسأل عن أصدقائه الصغار والكبار، الأثرياء والمستورين، الأكاديميين والشعبيين، أو ليكتب بحماس عن روبي وهيفاء والرقص الرأسي والرقص الأفقي وانعكاساته في حياتنا وذلك في خفة ظل فريدة لم تمنعه من السخرية من السرطان عندما هالني في آخر لقاء نحافته، وعندما داعبته: ده رجيم قاسي؟، فقال دون أن تتغير ابتسامته أو نبرة صوته: ده سرطان قاسي، ليبتسم الجالسون في حضرته: عبد الرحمن يوسف ود. منار الشوربجي، ود.مازن، والإعلامي بشار من الجزيرة وزوجته د.هدى التي أسبغت علينا كرمها بحلوى وقطع من المخبوزات لم يشاركنا المسيري منها شيئاً بعد أن تناول متبرماً طبقاً من الحساء دون شعور بالجوع، بينما كانت أمامه تربض سلة مملوءة بالأدوية يتعامل معها باعتبارها مكملاً للصالون الشرقي الذي ضمنا، والتي امتدت إليه يده عندما اشتكى أحد الجالسين من صداع ليبحث بين عن حبات البنادول.

      ****

      مرت الجلسة سريعاً ونحن نتكلم عنه وعن مصر والجامعة والشارع والناس والصهيونية ومشروعات يعمل بجد على تنفيذها، وقلت له هامسة قبل أن أخرج: الجلسة دي مش محسوبة إحنا لينا قعدة تانية لوحدنا فقال لي بجملته التأكيدية: طبعاً.

      قبل أسبوع، حاولت الاتصال به بعد دخوله إلى المستشفى بعد أن داهمته حرارة ولكن لم يرد أحد فخمنت أنه بحاجة لراحة وأرجأت الاتصال لوقت آخر يكون قد استعان فيه بعضاً من حيويته التي يوزعها على الجميع، واليوم قبل أن يكمل الأسبوع دورته يفاجئني خبر رحيله دون تنفيذ مشروع جلستنا المنفردة.

      ****

      سأفتقد صديقي العجوز الذي أشاركه البرج نفسه وأتباهى به كالصلعاء في تراثنا الشعبي وشعر إبنة شقيقتها.

      سأفتقد نشاط رجل تحول إلى مؤسسة ثقافية يديرها بمفرده بينما نحن الشباب نلهث من حوله لدأبه الذي نفتقده

      سأفتقد تليفوناتنا الضاحكة التي أبدأها بسؤال صغير: تسمحي لي أعاكسك، فيرد بطفول: أوي أوي معنديش مانع

      سأفتقد المسيري لأسباب يطول شرحها تكشف عن مسيري ستندموا لأنكم لم تعرفوه، ذلك الكائن الرائع الخرافي.

      لم يكن المسيري رسولاً ولا نبياً ولكنه كان إنساناً نبيلاً وصديقاً رائعاً وكائناً خرافياً لم يستطع الوفاء بعهوده لي ولمشروعات راودته اختطفه منها سرطان قاس وموت هو سيف مسلط على رقاب العباد. رحمه الله.

      آمال عويضة

       


    Your message has been successfully submitted and would be delivered to recipients shortly.