Loading ...
Sorry, an error occurred while loading the content.
 

اللاهوتيّون والك تبة

Expand Messages
  • najib attieh
    1حزيران 2008 اللاهوتيّون والكتبة لو سألتَ اليوم: مَن هو اللاهوتي؟ لارتحل ذهن مَن تسألهم،
    Message 1 of 1 , May 31, 2008

      1حزيران 2008

      اللاهوتيّون والكتبة


      لو سألتَ اليوم: مَن هو اللاهوتي؟ لارتحل ذهن مَن تسألهم، للحال، إلى أولئك الذين يدرسون أو يدرِّسون في معاهد اللاهوت. وما ذلك بدقيق. الأخصّائيون في دراسة الكتب المقدّسة لهم، في الكتاب المقدّس، تسمية أخرى: "الكتبة". أما اللاهوتيّون فَهُم مَن يعرفون يسوع لا مَن يعرفون أشياء عن يسوع. الشيطان أيضاً يعرف الكثير عن يسوع لكنّه ليس بلاهوتي. مَن يعرفون يسوع هم مَن يدخلون في علاقة مع يسوع، مَن هم في صلة مع يسوع، مَن يحبّون يسوع، مَن تسكن فيهم نعمة الله التي تأتي بهم إلى معرفة يسوع. اللاهوت هو يسوع وكل كلام لاهوتي هو إيقونة ليسوع الكلمة. إذاً الكلام اللاهوتي هو علامة منظورة مسموعة لحضور يسوع غير المنظور وغير المسموع. لذا اللاهوتي عندنا هو القدّيس. اللاهوتي هو مَن يصلّي. اللاهوتي هو مَن يكون في صلة مع الثالوث بالصلاة. بغير الصلاة مستحيل على الإنسان أن يأتي إلى اللاهوت، أن يصير لاهوتياً. ولا نقصد بالصلاة شكل الصلاة وحسب بل الصلاة بالروح والحقّ (يو 4: 23). هذه لا تؤتى الإنسان إلاّ بروح الربّ، "الذي به نصرخ يا أبا الآب" (رو 8: 15). بهذا المعنى لا يأتي أحد إلى المسيح بقوّة من ذاته، نفسيّة كانت أم جسديّة، بل بقوّة الله. "لا يقدر أحد أن يُقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني وأنا أُقيمه في اليوم الأخير" (يو 6: 44). حتى "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع ربّ إلاّ بالروح القدس" (1 كو 12: 3).إذاً اللاهوت، من جهتك، مسرًى، سلّمٌ تصعد عليه، بحفظ الوصيّة، بالصوم والصلاة، بالتوبة، بالنسك، إلى يسوع. ليس اللاهوت موضوع دراسة. طبعاً أنت بحاجة لأن تقرأ وتسمع الكلام الإلهي لكي تتبيّن معالم الطريق. وكما أنت بحاجة إلى معرفة الكتاب المقدّس، أنت بحاجة، أيضاً، إلى قراءة وسماع أخبار وأقوال القدّيسين لترى كيف ترجموا الكلام الإلهي إلى مسرًى. وليس هذا فحسب، بل أنت بحاجة أولاً لأن تلتصق بأب روحي خَبِرَ الطريق ويعرف تعرّجاتها ومفاجآتها وعثراتها. الكلام الذي تقرأ ليس خارطة كاملة التفاصيل للخلاص ولا يمكنها أن تكون. فقط تبيّن لك معالم في الطريق إلى وجه ربِّك. الكتب لا شك تُعين، وهي أساسية، قراءةً أو سماعاً، ولكن فقط إذا تعاطيتها في هذا الإطار العملاني الروحي. الكتب ليست قيمة لك في ذاتها. إذا لم تقرأ وتعلِّم بنقاوة قلب، بمخافة الله، بتواضع نفس، برغبة عميقة في الإقتداء بالقدّيسين فلا يمكنك إلاّ أن تسيء إلى الآخرين وتساعد في إفسادهم وتؤذي نفسَك وتجلب على رأسك دينونة فظيعة. مَن كان على هذه الصورة "خيرٌ له لو طوِّق عنقه بحجر رحًى وطُرح في البحر من أن يُعثر أحد هؤلاء الصغار" (لو 17: 2). "أحد هؤلاء الصغار" أي أحد الصغار بمعرفتهم. هؤلاء إن أفسدتَهم بتعليمك وتفاسيرك الخاصة غير التراثية فويل لك! الكتب شأن خطير، والتعليم مسؤولية هائلة! أنتَ، في التعليم، لا تبثّ أفكاراً وحسب بل روحاً أولاً. انتبه ألا يكون غريباً! "لا تكونوا معلّمين كثيرين يا إخوتي عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم. لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا" (يع 3: 1 – 2).

      هذه مأساة الكتبة في زمن يسوع وكذلك العديد ممَن يُسمَّون بـ "اللاهوتيّين"، اليوم، عن غير حقّ. هؤلاء قرأوا الكتب وتبحَّروا فيها وكانوا معتدّين بمعرفتهم حتى عيّروا ربّ المجد: "كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلّم" (يو 7: 15). مشكلتهم أنّهم قرأوا الكتب المقدّسة وعلّموها وهم نجسون. لذلك استعملوا الكلام الإلهي مطيّة لنجاساتهم. مفاسد عديدة تحكّمت بهم. كانوا صلفين، حسودين، مرائين، خبثاء ومتهكّمين. لذلك انتهى بهم الأمر بأن صلبوا ربّ المجد. وقد صلبوه باسم الله حاسبين أنّهم بذلك يقدّمون خدمة لله.

      ليس من دون دلالة أنّ يسوع لم يختر، في مصاف تلاميذه، كاتباً واحداً. ولا نتصورنّ أنّه لو اختار بعضاً منهم لكانوا ليكونوا نافعين له. كان يعرف قلوبهم جيداً. صحبتهم له ما كانت لتغيِّرهم. والدليل يهوذا الإسخريوطي. جلّ ما كانوا يجيدونه صناعة الكلام، لكنّهم كانوا ممتلئين من أنفسهم. تداولُ الكلام الإلهي كان مهنتهم وتصرّفوا كأنّهم محتكروه. تعاطَوه كما تُتعاطى أي حرفة أخرى، سوى أنّهم كانوا أثمة. وكانوا أثمة لأنّ طبيعة الكلام الإلهي لا تسمح بالحياد. إما أن تسلك فيه بروح الله أو تتعاطاه كابن لإبليس من حيث لا تدري. "مَن ليس معي فهو عليّ ومَن لا يجمع معي فهو يفرِّق" (مت 12: 30). لذا أضحى رؤساء الكهنة والكتبة والفرّيسيّون، المفترض بهم أن يكونوا أهل بيت الله، ألدّ أعدائه. الإثم في بيت الله يعظم لأنّ صاحبه يُضفي على ما يأتيه صبغة إلهية.

      الأب موريس فييه، الراهب الدومينيكاني الكاثوليكي الراحل، أبدى، مرّة، أنّ في الرهبنة الدومينيكانية قدّيسين عديدين وكذلك علماء كثيرون، لكنّه لم يلق عالماً واحداً قدّيساً. ماذا يمكن أن يعني مثل هذا الكلام؟ يعني أن العلماء مجرّبون، بعامة، بما يحول بينهم والتقى والقداسة. هذه هي محنة العقل. العقل قوّة، لذا فيه تكمن تجربة الانتفاخ وتجربة التنظير والتجريد وتجربة تأليه العقل. العقل يشتهي إخضاع الإلهيات إلى البشريات. ولأنّ العقل معطوب بالسقوط فإنّه أداة عبادة الذات بامتياز. في مستوى العقل، بخاصة، يتجلّى الصراع الأعمق بين الخضوع للإله الحيّ ونزعة تأليه الذات. من هنا حاجة مَن يمسكون الكتب المقدّسة ويتبحّرون في العِلم الإلهي إلى نسك شديد. إن لم يأت استغراقهم في طلب المعارف الكتبية مترافقاً وموتٍ عن الذات بالطاعة وقطع المشيئة والصوم والصلاة، فإنّهم سيوجدون مُشيِّئين لله، محوّلينه إلى فكرة، إلى موضوع بحث، محاربين له، مشكِّكين في بعض أقواله وأفعاله. ليس عن عبث ورد: "مكتوب سأُبيد حكمة الحكماء وأرفض فَهْم الفهماء. أين الحكيم. أين الكاتب. أين مُباحث هذا الدهر. ألم يجهِّل الله حكمة هذا العالم. لأنّه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يخلِّص المؤمنين بجهالة الكرازة" (1 كو 1: 19 – 21).

      كلّما تطلّعْتُ إلى معاهد اللاهوت ورأيت أنّ الهاجس فيها علف الرؤوس بالتبن العقلي وإعداد الكتبة وأنّ القيِّمين عليها مَزهُوون بتنشئة المتعلّمين دونما همّ حياة التوبة والتقى والصوم والصلاة والاعتراف وحفظ الوصيّة إلاّ شكلاً وكلاماً فإنّ شعوراً ينتابني أننا، من تأليهنا العِلمَ والعقلَ، وتسييبِنا أصولَ الحياة الروحيّة، نُعدّ رؤساءَ كهنة وكتبةً وفرّيسيّين جدداً لصلب المسيح في كنيسته وإفساد المؤمنين به والتأسيس لمجيء ضدّ المسيح! فهل يعي المسؤولون خطورة وعبثيّة ما ربما يفعلون؟!

       

        الأرشمندريت توما (بيطار)  -  رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

    Your message has been successfully submitted and would be delivered to recipients shortly.