Loading ...
Sorry, an error occurred while loading the content.

شـخـص مـهـ م..ج1

Expand Messages
  • TAREK FAROK
    شـخـص مـهـم الجـزء الأول لكي نفهم ما حدث، لابد أن نحكي القصة من بدايتها.. لا يمكن أن نبدأ
    Message 1 of 1 , Apr 6, 2010
    • 0 Attachment
       
       
      شـخـص مـهـم
      الجـزء الأول

       
      لكي نفهم ما حدث، لابد أن نحكي القصة من بدايتها.. لا يمكن أن نبدأ باللقاء الأخير بين ثروت ودافني أو ما سمعه من أدونيس. هذه أشياء سوف يأتي وقتها؛ لكن لا يمكن أن نبدأ بها
      ألا ترى أننا نضيع الوقت في الجدل بينما هو قصير أصلاً؟.. لو كنت تريد أن أحكي القصة بالأسلوب الذي يروق لك؛ فإنه لمما يسرني أن تجلس أنت وتحكي بينما أصغي أنا.. من فضلك دع لي هامشًا من الحرية في السرد، وأنا أعدك بأن تفهم كيف تطورت الأمور
      *******

      أنت تعرف ثروت البربري.. عينان ملونتان لهما لون البرسيم، وشعر بني مجعد، وقامة نحيلة. الطبيب الشاب المفعم بالأحلام، والذي يعرف يقينًا أنه سيكون رائعًا وسوف يبهر العالم.. ربما يحكمه كذلك
      هنا يجب أن نقول إن نمط ثروت شائع نوعًا بين الأطباء؛ فهو من أصل ريفي.. ومنذ دخل كلية الطب نال احترامًا ووضعًا مرموقًا جدًا في قريته. إنه يفحص المرضى بقلب جريء ويكتب العلاج لهم منذ أول يوم له في الكلية، وبالطبع يرتكب أخطاء قاتلة، ثم مع الوقت بدأ يتكلم.. يتكلم في السياسة والدين والأدب والفلسفة، وكان يتكلم بلا أية خلفية ثقافية أو قراءات يستند إليها؛ لكنه تعلّم أن الناس يصغون له باهتمام واحترام.. إن الدكتور يتكلم فانصتوا
      إنه الخلط المعتاد في مجتمعنا؛ حينما يفترض أن المتفوق في دراسته مثقف حاد البصيرة كذلك. وهكذا كانت آراؤه تتخذ صيغة شبه مقدسة، ولكم من مرة جلس رجال واسعو الخبرة شابت شعورهم وشواربهم يتناقشون في قضية ما، ثم يلتفتون نحوه قائلين
      ـ فلنسمع رأي الدكتور في هذا
      كان يتنحنح ويتكلم في وقار.. يقول أي شيء؛ فكانوا يوافقون على كلامه في احترام
      مع الوقت ازداد جهلاً وضيق أفق.. وازداد غرورًا كذلك.. وبدأ يظهر تململاً كلما سمع مناقشة تدور أمامه في أي موضوع، كأن لسان حاله يقول
      ـ لم لا تصمتون وتصغون لصوت الحجا؟
      يجب أن يستنوا القوانين التي تجعله هو المتكلم الوحيد
      *******
      كنت أنا طالبًا في كلية التجارة، وقد عرفته عن طريق مسكن للطلاب المغتربين؛ فأثار دهشتي أنه لا يعرف أي شيء على الإطلاق. ذات مرة عرض التلفزيون فيلماً أمريكياً عميقاً شديد الأهمية والتعقيد؛ فجلسنا نتكلم عنه.. هنا تدخل ليبدي رأيه.. كتمت ضحكتي بصعوبة، وأنا أسمع آراءه الساذجة في الفن، ورؤيته العميقة للفيلم
      لكن أثار دهشتي أن رفاقي يصغون له باحترام، ويؤمّنون على كلامه
      مهما قيل؛ فإن المصري يحمل احترامًا عميقًا تاريخيًا للطبيب والضابط والقاضي.. مع ترجيح كفة العقل بالنسبة للطبيب؛ لأنه لا يمكن أن ينال شخص كل هذه الدرجات في امتحان الثانوية العامة ما لم يكن حكيمًا.. وهو خلط واضح بين ملكة الحفظ وسعة الاطلاع والثقافة والذكاء
      هكذا عرفت ثروت.. وهكذا كانت بيننا صداقة سطحية؛ لأنني بصراحة لا أطيق الأغبياء.. قد أقبل الجهلة إذا كانوا أذكياء، وهذا نمط لقيته كثيرًا.. مثل بواب البناية التي أقيم بها، ومثل تلك البائعة في السوق التي تشع عيناها ذكاء وألمعية
      تخرجنا وتفرقت السبل؛ فلم أعرف هذه التفاصيل إلا متأخرًا جدًا، ومن فمه شخصيًا
      *******

      كانت البداية هي أنه عندما ينام يشعر بأنه ليس وحيدًا
      كان طبيبًا مقيمًا للتحاليل الطبية الباثولوجيا الإكلينيكية في مستشفى تعليمي بالقاهرة، وكانت الظروف تضطره أحيانًا أن ينام وحده في الطابق كله
      يقول إنه كان يشعر بأن هناك من يقفون حول فراشه. نهض أكثر من مرة مذعورًا وبسمل وحوقل، ونظر حوله فلم ير أحدًا. في بعض المرات سمع من يتكلمون.. والأغرب أنه سمع مرارًا صوت: كليك.. كليك.. كليك
      أما عن اختفاء الأشياء فهذا موضوع آخر؛ السماعة الطبية التي سرقت منه على سبيل المثال، سرقت من جوار فراشه وهو نائم، لم يسرق منه شيء من قبل، وهو يعرف يقينًا أن الغرفة كانت مغلقة من الداخل؛ ولكنه صحا من النوم فلم يجدها. هذا لغز بلا حل
      هناك كذلك فقدان المناديل والأقلام.. تقريبًا لم يعد يوم يمر من دون أن يكتشف نقصًا في مناديله أو أقلامه. الأقلام لا تعيش في أية مستشفى، ومن المستحيل أن تمضي اليوم بذات القلم؛ لكن الأمر كان يتجاوز الحدود المعروفة
      هكذا بدأ يشعر بقلق عظيم
      *******
      أعتقد أن ثروت كان سيلاحظ ما هو أكثر لو كان أقل غباء وضيق أفق
      على أنه في المستشفى لاحظ أن هناك مجموعة غريبة من الأطباء لم يرهم من قبل.. كان هناك رجلان وثلاث نساء على درجة عالية من الجمال.. أعني كلهم طبعًا وليست النساء فقط.. كان لهم طابع غريب.. ليسوا عربًا لكنهم كذلك ليسوا أجانب.. التناقض الذي فسره البعض بأنهم أتراك
      همسات عديدة ترددت في المستشفى عن سر هؤلاء.. خاصة أنهم دخلوا مكتب المدير وقضوا وقتًا طويلاً هناك، وفي النهاية خرجت سكرتيرة المدير تبحث عن ثروت
      سقط قلبه في قدميه. المدير لا يحتاج له أبدًا ولا يطلبه ولا يكلمه أصلاً، فماذا استجد؟
      دخل المكتب ليجد مجموعة الأطباء الغريبة جالسة هناك، وكانوا يرمقونه في فضول
      قال له المدير وهو يلوح بخطاب رسمي كئيب الشكل
      ـ د. ثروت.. وكيل وزارة الصحة يوصينا خيرًا بهذه المجموعة من الأطباء الأجانب التي ستمضي أسبوعًا معنا.. إنهم أتراك، وهم راغبون في أن يتابعوا عملك في المختبر.. لا تقلق من ناحية اللغة فهم يجيدون العربية
      *******
      لماذا أنا بالذات؟.. هناك مختصون أقدم مني وأكثر خبرة. ولماذا هذا المستشفى فقير الإمكانيات بالذات؟.. لم يسمع أحد من قبل أنه مركز يأتيه الأجانب ليتعلموا. لكن ثروت كان مغرورًا كما قلنا لذا عرف السبب على الفور: إنه الأبرع والأرجح عقلاً
      هكذا خرج مع مجموعة الأطباء شاعرًا بفخر جهنمي وهو يمشي بهم في طرقات المستشفى، ونظرات الفضول –ربما الحسد– تلاحقه. وكلما حاول أحد أن يتصل بهذه المجموعة كان يتولى هو الرد، كأنه زوج غيور لا يطيق أن يكلم أحد زوجته
      وفي المختبر راح في خطورة يشرح لهم مدى عظمة ما يقوم به

      أمسك أنبوب اختبار مليئًا بالمصل، وناوله أجمل طبيبة في المجموعة.. وتظاهر بأنه يسند يدها كي لا تهتز فأمسك بمعصمها، وسره أنها لم تحتجّ.. سألها
      ـ ما اسمك؟
      كان لها أنف أقنى جميل، ونظرة يمكن أن تذيب شمعة.. قالت له
      ـ دافني
      ـ عاشت الأسامي
      غبي كما قلنا؛ لهذا لم يلحظ أن للاسم طابعًا إغريقيًا.. مستحيل أن يكون هذا اسمًا تركيًا.. على كل حال عرف أن المجموعة تضم أياد وأدونيس -اسم إغريقي آخر-  وميريام ونيتوكريس.. وكانوا يتكلمون العربية بطلاقة مذهلة.. لا يوجد أدنى ظل من اللكنات الأجنبية
      لاحظ أنهم يتابعونه في نوع من الإعجاب والوله، ويلاحظون كل شيء يقوم به. المدعوة ميريام التقطت له صورًا كثيرة فحرص على أن يبدو خطيرًا حاذقًا
      *******
      جاءت ممرضة تحمل مجموعة من العينات، وسألت نيتوكريس بفضول شعبي محبب
      ـ أين تقيمون؟
      هنا تدخل ثروت في عصبية صائحًا
      ـ هذا ليس عملك!.. أية أسئلة توجه لي أنا فأنا المسئول عنهم.
      سألته الممرضة من جديد
      ـ أين يقيمون؟
      ـ لا أعرف
      هنا قال المدعو أياد
      ـ فندق (.....).. إنه جميل جدًا
      لم يكن ثروت قد رأى فندقًا في حياته، لكنه تظاهر بأنه يعرف الفندق جيدًا وأنه سيقبله على مضض باعتباره ليس الأفضل
      عند نهاية اليوم كانوا سعداء جدًا، وقد دنت منه دافني وطلبت في تأدب أن يوقع لها على الأوتوجراف. نظر لها في دهشة فقالت
      ـ يشرفني أن يكون معي توقيع شخص مهم جدًا مثلك

      كان يوشك على البكاء.. سوف يتزوجها.. بالتأكيد سيتزوجها ويعود بها لقريته ليراها البسيوني والششماوي ويحسداه. سوف تقول النساء العجائز لبعضهن هذه زوجة الدكتور. هكذا وقع لها.. من جديد طلبت منه الاحتفاظ بقلمه للذكرى
      ـ إلى الغد
      ـ إلى الغد
      *******
      عندما نام في تلك الليلة كان الفراش يعلو به ويهبط فخرًا.. قال لنفسه إن السحر المصري لا يقهر، فلا توجد أنثى غربية يمكنها مقاومة ذكر مصري وسيم وذكي مثله
      سوف أتزوجها.. سوف أتزوجها.. حاول أن يتذكر اسمها فلم يستطع.. هكذا قال لنفسه إنه سيتزوج دافية هذه
      وفي الثالثة صباحًا شعر بشيء غريب
      بالفعل سمع صوت الكلام وأن هناك من يتحرك في الغرفة، وأن هناك من يقف جوار الفراش. هذه المرة لم ينهض بل فتح جفنيه ملليمترًا واحدًا
      في الضوء الخافت القادم من الممر رآهم 
      *******
      يـ تـ بـ ـع..
      -د.أحمد خالد توفيق-
      من طـارق فـاروق
       


      Hotmail: Trusted email with powerful SPAM protection. Sign up now.
    Your message has been successfully submitted and would be delivered to recipients shortly.