سبقني للدخول للسيارة ثلاثة فتية يرتدون زي المدرسة في الكرسي الخلفي، انتظرت لدقائق حتى انتهوا من الجلوس بانتظام بعد أن نوهوا للسائق أن كل منهم سيدفع نصف شيكل .. قبل أن أقفل الباب كان السائق قد أشار لراكب جديد للركوب معنا! أين ؟! في الكرسي الخلفي !! لكن لا مكان ! ..
بمحاولة سريعة لاستدراك مأساة ازدحام قلت للسائق " يا عم سأدفع ثمن كرسي آخـ ......ر " لم يكد يسمعني السائق وهو يوجه صراخه للأطفال الثلاثة " نصف شيكل نصف شيكل! السولار غالي " قلت بصوتٍ مسموع " يا عم لا يوجد وسع أنا سأدفع ثمن راكبين ولا حاجة للراكب الثالث - الخامس في الحقيقة - " وقد كنت صادقة في كل كلمة فالحقيقة بأن المكان كان أضيق من أن أجلس أنا وثلاثة فتية ورجل !!
- " لا يا عمي ليش تدفعي " - " مش مشـكل...ة " - " قوم يا ولد تعال اركب قدام " بعصبية غريبة أمر الرجل أحد الاطفال بأن يتوجه للأمام ! .. ارتبك الاطفال تحت وابل ( النصف شيكل ) .. انتقل أحدهم للأمام ليجلس بجانب الرجل الكبير في المقعد الأمامي .. لكن اسطوانة السائق لم تقف .. فالتأنيب لأنهم سيدفعوا نصف شيكل نصف شيكل نصف شيكل بقيت مستمرة .. وأخذ يوجه كلامه للأطفال " انت لا تفهم مش قلت لك تقوم قدام ليش طولت انتو كيف بتتعلموا بالمدارس " !! وأنا أنظر وأرقب بذهول تحركات الاطفال الذين لم ينبسوا ببنت شفة ، أمام صراخ السائق الذي سيطر على الوضع بكلماته!
ومضت السيارة، بعد أن غيّر الرجل طريقه لأكثر من مرة مكتشفا بأن أول راكب في السيارة طريقه مخالف لطريقنا !! انا كنت أنتظر أن أصل للشارع الاول وأنا أراقب الساعة تحسبا للتأخر عن موعد، وقبل أن نقترب سمعت كلاما موجها لي " وين يا عمي نازلة في الشارع الأول " بصراحة احترت في الاجابة ليس بطئا في البديهة ولله الحمد لكن الشارع الأول أصغر من أن يقسم لدويلات ! .. قلت له " أين ما تريد يا عمي لن أفتعل المشاكل " قال .. " طيب انزلي هنا " قلت له : " شكرا ونزلت " ليست القضية بأني مشيت نصف الشارع الأول .. لكن القضية بأن هذا الحادث حرّك لدي اجابات لكثير من المبهمات التي نواجهها جميعا !
إن التستر وراء " لن أفتعل المشاكل " من قبل الأغلبية أمام أقلية تفرض قوة (صورية)، هي ذاتها المنهجية التي جعلتنا لا نقدّر بأن القدرات التي نمتلكلها لأن نغير الخطأ، أقوى بكثير من قوة وهمية أشبه بصوت يخرج من حنجرة، وأعمتنا عن اكتشاف ثغرات واضحة في الخصم الذي نواجهه.
إن الذي يطمح في التغيير وينذر نفسه لأن ينقل المجتمع من حال إلى حال افضل، ومن فكر إلى فكر أرقى ومن تخلف إلى نهضة ، جدير به أن يصطف جانبا إن كان سيقف امام أي قوة ليقول " لن أفتعل المشاكل "..
إن التغيير يتطلب منك استجماعا للقوى واستغلالأ أمثل لمواردك أجمع، وأن تنظر بعين فاحصة دقيقة لميزان قوى الذي أمامك، وستكتشف بالنهاية أنها مجرد صوت يخرج من حنجرة، وليس أداة سحرية من قصص الساحرة الشمطاء تسيطر على العالم.
إن قيام الآخرين بتصوير الاحتلال بأنه قوة مهيمنة، كفيل بأن يجعل الشعوب تعيش في هاجس الهزيمة المستديمة، كما أن التسليم بأن الأفكار التي في عقول من حولنا إنما وُلدت معهم تؤدي بنا لأن لا (نحاول) حتى أن نقنع الآخرين بفكرة جديدة.
إن كنت تنذر نفسك للتغيير فأنصحك بأن لا تكرر تجربتي في قول " لن افتعل مشاكل " لأن هذا سيكلفك الكثير من وقتك ومن جهدك، وستكون سببا في المشكلة لأنك ببساطة لم تكن حلا لها.
قف وغيّر وواجه .. ولا أقل من أن تخرج من الجولة بتكثير سواد المعارضين للخطأ، إن لم تتمكن من أن تكون من صف أصحاب التغيير.
كثيرة هي المواقف البسيطة العامية التي تمر في حياتنا مرور الكرام، لكن قلبا غيورا على نهضة أمته، لم يزل يرى في كل ماثلة تمر بعينه محطا للتغيير وأداة نحو نهضة المجتمع.
ودمتم .. بعز ...*
هـدى محمد شبير
__________________
يرحب " التجمع الشبابي للسلم الأهلي (سلام)" بكل الزوار لمجموعته البريدية و نشاطاته السلمية المستقبلية على الرابط