كُنَّا صغارًا في هذا الوطن الحبيب، نحلم بالبلاد الحلوة الندية، نعشق حكايات الجدات عنها والجدود، نأنس بذكر البيارة والكرم والجابية وبير القواديس، نحب حمار جدنا ونعشق جمله، ونتنسم عبير الزنبق في عسقلان، ونصعد مئذنة روبين في صيف العنب والتين، ونُرَبِّعُ مع آبائنا في ربيع الحصاد والهيطلية على ضوء قمر فلسطين.
كُنَّا صغارًا، لكن كان الوطن أطيب عبيرًا من الشذى المسفوح في زهر البرتقال اليافاوي، وأندى من قطف التين في ملقط البوص صبحًا.
كُنَّا وكان الوطن كبيرًا، كبيرًا، أكبر من كل شيء في هذا الكون القوي الباطش، وطننا أكبر من كل الأوطان وأحلى، في وطننا يافا، وهل في الأوطان مثل يافا عروسًا تحتضن الشمس أصيلاً فضة وذهبًا، في وطننا عسقلان، وهل للناس عسقلان تذكرهم بصلاح الدين، في وطننا القدس، حَصَانٌ رَزَانٌ، في وطننا بيسان، عطرته سَنَابِك خيل اليرموك ومؤتة، في وطننا عكا، قاهرة الطغاة، فيه يبنى يغير عليها أسامة بن زيد
صبحًا، كان الوطن ولم يكن شيء كالوطن في عيون اللاجئين. كُنَّا يا فلسطين صغارًا؛ لكن لا كالصغار في بقية أرجاء الأرض، فقد استيقظنا على آهات معتقةٍ جراحاتها، وشفاه لا تكاد تتمتم بشيء كما تتمتم بحكايات البلاد، بير العسل والمية، قصب الجابية الأحلى من كل قصب، الزيتون الذي يقطر زيتًا قبل تصليب الصليب، و كُنَّا نصوغ صور الوطن، على لوحة سطح القرميد الإسمنتي في مخيمات المهاجرين، بكل ألوان الخيال الزاهية.
كُنَّا صغارًا يا فلسطين، يا حبيبة القلوب ومهجة النفوس المسلمة في كل مكان، كُنَّا يا حبيبتي نحلم بالساعة التي نراك فيها سالمة منعمة، آمنة مكرمة، وفجأة هجم الليل من كل مكان، يجثم بكلكله على القلوب الصغيرة، فقنابل الهاون تشتت شملنا مرة أخرى، وتمزق أفئدة صغيرة صغيرة، ورأينا الموت في مقابر المخيمات أسود داكنا، وصار من دأبنا أنْ نخرج كل يوم مرات إلى المقابر، نزرعها أحبة كان آخر ما همسوا: وصيتكم أن تنقلوا جثتي إلى البلد، وصيتي لبلاد، وصيتي لبلاد.
وتمزق الناس في الأرض وتفرقوا في نكسة جديدة، وصار لنا نكبة ونكسة، وطارت الآهات تلتقي عبر رسائل يحملها من بعيد الصليب الأحمر، يجتمع الناس عند
الجامع، ينادي المنادي، ثم ينفض الناس، وحسرات وزفرات، يا مِنْ دَرَا يِجِي منك خبر يا حبيبي؛ يا مِنْ دَرَا!!
وفي مسجد العباس يهمس أبو محمد الإمام الياسين في آذان الشباب الصغار حوله:" لا والله؛ والله لنقاتلنهم في اللحظة التي نمتلك فيها مسدسًا واحدًا" فترتجف الأفئدة إذ التفكير في مواجهة اليهود مخيف ومرعب، وصورة اليهودي مرسومة في الأذهان من يوم دير ياسين ممتزج لون الدم فيها بالسواد، أفنقاتل اليهود.
ويتابع الياسين:" نحن واليهود في صراع على هذا الجيل، فإما أن يأخذه اليهود منا، أو ننقذه من أيدي اليهود" وأعلنها إمامنا الياسين.
وكانت معركة، ابتدأت إسرائيل الدولة المنصورة في حرب الأيام الستة تغني في ساحة الأقصى المحترق منبره:" محمد مات، خَلَّف بنات" يتنغم بها موشي ديان وجنوده، في الباحة بين المسجدين الصخرة والأقصى، وتدار كؤوس الشمبانيا، في باحات كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطهرها بثوبه من قرون.
كانت معركةً لا كالمعارك، فكيف يناطح الكَفُّ المخرزَ يا جدتي، والمخرز اليهودي يريق الخمر في أفواه السكك الضيقة في حارات المخيم هدية في عيد يهود، ويجرد الحرائر من الثوب
الجلجلي والجنة ونار، ويلبس النساء موديلات صدورها بادية والنحور، وتطير الملاءات عن الشعر الحرير الطاهر العفيف، خمر وعري ومقاهي وهزيمة.
ويبدأ الصراع على الجيل، بين الإمام الياسين والقلة المؤمنة معه، وبين افتتاح الخمارات، ومنع إنشاء المساجد، وزرع المقاهي، وتعمير السينما النصر والجلاء وعامر والسامر، ونشر الصور الخليعة بين أيدي الصغار في المدارس الإعدادية، وفتح باب العمل للناشئة خدمًا في سوق اليهود وشواطئ بلادنا المدنسة بنوادي العراة.
كانت المعركة كبرى، وكان الشيخ لها، وكان الأقمار معه من الدعاة الصالحين، المؤمنين بأننا سنجوس خلال الديار، ونتبر ما علوا تتبيرًا.
وبدأ الإمام يزرع في بيوت الله وردًا وعنبر، ومسكًا وغالية، ينثر البذور ويتبعه بالتربية، يحمله على دراجته أحد طلابه إلى البيوت والأزقة، يزور هذا، ويربت على كتف هذا، ويهمس في جباليا وينادي في رفح والشاطئ، ويركب إلى أم النور وبئر السبع، ويقيم المؤسسة، ويعلم الطلاب الصلاة حين ينفض سامر الدروس التي لا تعرف الوطن ولا تمجده.
كان الصراع على الجيل كبيرًا، يفتتح مدرسة للتلاوة في المسجد، يعلم أولاد فلسطين كيف
يرتلون سورة الأنفال ترتيلا، ويعدهم بأن السورة ستصير صورة، وأنَّ الصورة ستكبر وتكبر، وأنها ستمتد في أنحاء الأرض حتى يهتف أهل الفلوجة في عراق العرب المسلوب:" ولا يهمك يا حماس" وفي أطراف الأرض تزين الصبايا حجراتهن بصورة الشيخ الإمام أبي محمد الياسين.
وصار عيبًا ألا تعرف" من هو يا ولدي أحمد ياسين" صار عيبًا ألا تكون مع الإمام، صار غفلةً ألا تمشي خلفه، وتجعل كرسيه رمزًا لأمة هتافها: عائدون عائدون، إننا لعائدون.
شيخي أبا محمد؛ لعله قد ابتلت العروق، ولعل آن لك أن تستريح سيدي المعلم الكبير، فلقد حملت الأمة هما فما وضعته حتى استشهدت، ومضيت تحملنا على العزائم، وتكره الرخص، وتعلمنا كيف يكون الليل مدرسة المجاهدين قيامًا وصلاة، والنهار للصائمين مدرسة أخرى، والتسابيح، كم كنت تغضب حين نردد غير الآذان كلامًا، وتعتب حين نهمس بين كلمات الآذان غير الله أكبر الله أكبر.
سيدي أبا محمد، لا زلت أنظر في بريق الأمل في عينيك يا حبيبي، لا زلت أعلم أن النصر آت، وأن الفجر قادم، فكم كنت تحضننا بالأمل وتحصننا من الملل، وتدعو لمواصلة الطريق، تقول: الميل الأول صعب، وبعدها يسير الناس على المدرجة
والدرب.
سيدي أبا محمد، لطالما علمتنا حيًا، علمتنا أن فلسطين عائدة ما عاد الجيل إلى الله، فتدعو لبناء المساجد والمدارس، وتفتح القلوب والأفئدة، بالابتسام والاتساع لكل الناس.
واليوم تعلمنا وأنت حي عند ربك بإذن الله، تعلمنا يا حِبَّ القلوب والأفئدة، يا زيتونة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، فكيف وقد مسته النار، فامتد لهيبًا يحرق الغاصبين المحتلين، ليرحلوا ليرحلوا، فما في بلادنا مكان للغرباء والغربان، إنها بلادنا.
From:
"~ےffffa4~ےffffe4ےffffd3ےffffedےffffe3.ےffffc7ےffffe1ےffffe6ےffffc7ےffffcfےffffed~ےffffa4~" <naseemalwadee@...> Date:
Wed May 5, 2004 1:16 am Subject:عاجل جداً ومهم عن الفيروس الجديد
رحلة استكشافية خرجت فيها مجموعة من الطالبات والمعلمات إلى إحدى القرى لمشاهدة المناطق الأثرية، حين وصلت الحافلة كانت المنطقة شبه مهجورة وكانت تمتاز بانعزالها وقلة قاطنيها.. فنزلت الطالبات والمعلمات وبدأن بمشاهدة المعالم الأثرية وتدوين ما يشاهدنه فكن في بادئ الأمر يتجمعن مع بعضهن البعض للمشاهدة لكن بعد ساعات قليلة تفرقت الطالبات وبدأت كل واحدة منهن تختار المعلم الذي يعجبها وتقف عنده.
كانت هناك فتاة منهمكة في تسجيل المعلومات عن هذه المعالم فابتعدت كثيرا عن مكان تجمع الطالبات وبعد ساعات ركبت الطالبات والمعلمات الحافلة ولسوء الحظ حسبت المعلمة أن الطالبات جميعهن في الحافلة ولكن الفتاة الأخرى ظلت هناك وذهبوا عنها فحين تأخر الوقت رجعت الفتاة لترى المكان خاليا لا يوجد أحد سواها فنادت بأعلى صوتها ولكن ما من مجيب فقررت أن تمشي لتصل إلى القرية المجاورة لعلها تجد وسيلة للعودة إلى مدينتها وبعدما مشت طويلا شاهدت كوخا صغيرا مهجورا فطرقت الباب فإذا شاب في أواخر العشرين يفتح لها الباب وقال لها في دهشة: "من أنت؟؟"، فردت عليه: "أنا طالبة أتيت هنا مع المدرسة ولكنهم تركوني وحدي ولا أعرف طريق العودة"، فقال لها: "أنت في منطقة مهجورة فالقرية التي تريدينها في الناحية الجنوبية ولكنك في الناحية الشمالية وهنا لا يسكن أحد" فطلب منها أن تدخل وتقضي الليلة بغرفته حتى حلول الصباح ليتمكن من إيجاد وسيلة تنقلها إلى مدينتها.. فطلب منها أن تنام هي على سريره وهو سينام على الأرض في طرف الغرفة.. فأخذ شرشفا وعلقة على حبل ليفصل السرير عن باقي الغرفة.. فاستلقت الفتاة وهي خائفة وغطت نفسها حتى لا يظهر منها أي شئ غير عينيها وأخذت تراقب الشاب.. وكان الشاب جالسا في طرف الغرفة بيده كتاب وفجأة أغلقه وأخذ ينظر إلى الشمعة المقابلة له وبعدها وضع إصبعه الكبيرة على الشمعة لمدة خمس دقائق فأحرقته وكان يفعل نفس الشئ مع جميع أصابعه والفتاة تراقبه وهي تبكي بصمت خوفا من أن يكون جنيا وهو يمارس أحد الطقوس الدينية.. ولم ينم أحد منهما حتى الصباح فأخذها وأوصلها إلى منزلها وحكت قصتها مع الشاب لوالديها لكن الأب لم يصدق القصة خصوصا أن البنت مرضت من شدة الخوف الذي عاشت فيه.. فذهب الأب للشاب على أنه عابر سبيل وطلب منه أن يدله على الطريق فشاهد الأب يد الشاب وهما سائران ملفوفة فسأله عن السبب فقال الشاب: "لقد أتت إلي فتاة جميلة قبل ليلتين ونامت عندي وكان الشيطان يوسوس لي ولكن خوفا من أن ارتكب أي حماقة قررت أن أحرق أصابعي واحدة تلو الأخرى لتحترق شهوة الشيطان معها قبل أن يكيد إبليس لي وكان التفكير بالاعتداء على الفتاة يؤلمني أكثر من الحرق.
أعجب والد الفتاة بالشاب ودعاه إلى منزله وقرر أن يزوجه ابنته دون أن يعلم الشاب أن تلك الابنة هي نفسها الجميلة التائهة فبدل الظفر بها ليلة واحدة بالحرام فاز بها طوال العمر.
عجبتني القصة جدا وحبيت إني أرسلها لكل أخ وأخت في الله وشكرا،
مع تحياتي،
شيرين شرف الدين
Add photos to your e-mail with MSN 8. Get 2 months FREE*.
" الحب " .. هذه الكلمة السحرية التي تقع في النفوس موقعًا عجيبًا.. والتي ما إن تطلق حتى يعلق بنا الخيال.. وتهفو إليها القلوب.. وتطرب الأسماع لمجرد إيقاعها المتناغم.. تلكم الكلمة التي قام عليها الناس وعاشوا بها وتفاعلوا معها دومًا بالتعبير عنها بكل ما هو جميل بحياتنا..
وإذا كان البعض ينفر منها الآن.. ويرد ذلك إلى أسباب قيمية وأخلاقية.. وحينما يسمعها يشمئز سمعه منها، فإن ذلك لا يرجع للحب في ذاته، ولكن يرجع إلى ممارسات الناس حول هذا المعنى الجميل، هذه الممارسات التي أثقلته بذنوب لا يتحملها، وأوزار هو منها براء..
إن الثقافة الإسلامية الأصيلة تعاملت مع الحب تعاملاً راقيًا فما كانت أبدًا لتقهره في القلوب بما يولد الكبت الذي يؤدي حتمًا إلى الانفجار، لكنها عرفت حقه الطبيعي في التنفيس ورغبته الأكيدة في التعبير عن نفسه، فتلكم العاطفة الجياشة التي تقع في قلوب أصحابها إن لم يحدد لها أطرًا إبداعية وفنية تعبر فيها
عن نفسها، لخرجت إعصارًا مدمرًا في اتجاهات سلبية تمامًا تهدم المجتمع ولا تبنيه.
وكان المبدع حرًّا دائمًا في التعبير عن عواطفه وعواطف الآخرين، وما قرأنا عن أحد الفقهاء حارب الشعر العاطفي ولا سمعنا عن أحد الوعاظ هاجم مبدعًا يتفنن في الحب والغزل؛ لأنهم وضعوا هذا الأمر في مكانه الطبيعي كفن وإبداع، وخيال رقيق لا ينبغي أن يطبقوا عليه معايير الواقع.
إن البعض حين يلغي الحب من قاموس الفن المنضبط والإبداع السامي، فإنه يقع في خطأ كبير يتمثل في أنه يأخذ من الواقع القيمي الأخلاقي معاييره التي ترفض - ونحن معها بالطبع - أي علاقة غير منضبطة تتناول الحب والعشق والغرام والقرب والوصال... ثم يطبق ذات المعايير على الفن والشعر والخيال وهذا أمر غير مقبول تمامًا. وهو يشابه من يحكم على لوحة فنية بأنها فاشلة لمجرد أن فيها طفلاً يحلق في السماء بجناحين، وذلك بدعوى أن هذا خطر على الطفل، حيث يُحتمل أن يسقط ويصاب .
ولا أدري حقيقة من أين أبدأ فالشواهد أكثر من أن تُحصى.. ولنبدأ مع الرسول صلى الله عليه وسلم حين لم يجد أي غضاضة في أن يسمع من
"كعب بن زهير" الشاعر المخضرم قصيدة في طلب العفو من الرسول صلى الله عليه وسلم وتحوي في مطلعها غزلاً يقول:
"بانت سعاد فقلبي اليوم متبول"
بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم يذهب أرحب من ذلك حين يعفو عنه ويخلع عليه بردته الشريفة!! فرسولنا صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمنا أن العاطفة الإنسانية في الحب عاطفة لا ينبغي أن نخجل منها، بل إن توسعة مجال لها في حياتنا العامة ومنتدياتنا الاجتماعية لا يضطرها أن تلجأ إلى السراديب المظلمة والأنفاق المعتمة..
وأشهر من تناول العاطفة الرقيقة في شعره هو عمر بن أبي ربيعة الذي قال في محبوبته (نعم):
يهيــم إلى "نعـم" فـلا الشمـل جـامع ..... ولا الحبـل موصول ولا القلب مقصر
ولا قـرب "نعـم" إن دنـت لك نـافـع ..... و لا نـأيــها يسـلي و لا أنـت تصـبـر
فقلت لها : بل قادني الشوق والهوى ..... إليـــك و مـا نفـس مـن النــاس تشعر
وهو الشاعر الذي قصر كل شعره على الحب والغزل والعشق والهوى .. يقول عنه العقاد : " إنه تخيل فأصاب التخيل، ونزع منزع القصاصين كثيرًا، وأضاف من عنده ما لم يرد على لسان صاحبة له ولا صاحب ممن أسند إليهم الكلام والحوار ".
ويقول عنه صاحب الأغاني : " كان عفيفًا يصف ولا يقصف، يحوم ولا يَرِد " .
فعمرو وغيره من شعراء الغزل لم يبدعوا في فتيات حقيقيات يصفونهن ويعرضن مفاتنهن، ولكن كانت الفتيات أقرب إلى بطلات الرواية والمسرح .. وليس أدل على ذلك من أنه لما مرض عمرو جزع عليه أخوه الحارث فقال له عمر: - أحسبك إنما تجزع لما تظنه بي، والله إني ما أعلم أني ركبت فاحشة قط، ولا كشفت ثوبًا عن حرام . فقال الحارث : ما كنت أشفق عليك إلا من هذا، وقد سليت عني .
هو إنما أبدع في
الحب باعتباره فنًّا فحسب وليس إثارة لغرائز أو جمعًا لشمل الغواة وأمل الفجور.. وإنما كان فنانًا يحلق بمخيلته في فضاء الإبداع وقمم المعاني الفنية الشاهقة.
وهكذا فهم عبد الله بن عباس رضى الله عنه أنه فن وتخيل، ليس له من الواقع إلا العاطفة البريئة والإحساس البكر.. وبينما عبد الله بن عباس رضي الله عنه في المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وبعض الخوارج يسألونه في أمور الدين؛ إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة فقال: له: يا أبا الخطاب أنشدني بعض شعرك في الغزل، فأنشده رائيته المشهورة حتى أتى على آخرها ثمانين بيتًا.. فأعجب بها ابن عباس رضي الله عنه وقال: يا ابن أخي، أنت شاعر، فقل ما شئت..
فأقبل عليه نافع فقال: لله أنت يا ابن العباس .. أنضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد، نسألك عن الحلال والحرام من أمور الدين فتعرض عنا، ويأتيك غلام من نفر في قريش ثم ينشدك سفهًا فتسمعه، فقال ابن عباس: تالله ما سمعت سفهًا، ووالله لو شئت أن أنشدك القصيدة كلها لأنشدتك.
وهذا هو "جميل بثينة" الشاعر العذري النبيل، الذي أحب بثينة حبًّا أسطوريًّا، رغم أنه لم يقابلها إلا مرات قلائل!! وملأ
الدنيا شعرًا في حبها، فهو حين يأتي للواقع الحسي، يترك كل عواطفه جانبًا ويلتزم الحق متجنبًا الحرام والزلل.
أرسل إليها يقول: أرأيت ودي إياك وشغفي بك ألا تجزيني بما يكون بين المحبين؟ فغضبت وأرسلت: والله لقد كنت أظنك بعيدًا من هذا، ولئن عاودت تعريضًا بريبة لأرينك.. فأجابها: والله ما قلت إلا لأعلم باطنك، ولو علمت أنك تجيبني لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو رأيت منك مساعدة لهجرتك هجرة الأبد.. أما سمعت قولي :
و إنـي لأرضـى مـن "بثينة" بالذي ..... لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا ، و بـأن لا أسـتطيع و بالمنــى ..... و بـالأمل المرجو قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي ..... أواخــره لا نلتـقـي و أوائــلــه
وأوضح النماذج على أن الثقافة الإسلامية تعاملت برقي وسمو مع عاطفة الحب أنها كانت مختلفة، حيث لم تقع فيما وقعت فيه الثقافة الغربية الحديثة من تهالك على الجسد وعشق للمادة، وإنما تعدت ذلك لحب الروح ورفع القيمة المطلقة للجمال. فليس المهم هو الاغتراف من اللذات، ولكن الاستمتاع بهذه العاطفة النبيلة وتلمس سبلها .
و روي أنه لما سخر البعض من "بشار" على أنه يصف "بطلات" شعره وهو أعمى .. أجابهم :
يا قـوم أذني لبعض الحي عـاشقة ..... والأذن تعشـق قبل العيـن أحيانـا
قالوا بمن لا ترى تهذي؟ فقلت له ..... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
بل إن من الفقهاء والمفكرين الإسلاميين من عبَّر في إبداعاته عن الحب، فهذا هو النظَّام المعتزلي الذي هو أحد أعلام التفكير العقلي في الإسلام، وأحد رجالات المعتزلة الرواد يقول شعرًا غاية في العذوبة والرقة:
تـوهَّمـه طـرفي فـآلـم خــده ..... فصار مكان الوهم من نظري أثر
و صــافحه قلبـي فـآلـم كفـه ..... فمـن صَفْـح قلبي في أنـامله عقر
ومرَّ بقلبــي خاطرًا فجرحته ..... و لم أر جسـمًا قـط يجرحه الفكر
وله نماذج عديدة، في غاية الإبداع .
وهذا رفيقه الصاحب بن عباد الذي وصفه د. عبد الحكيم بلبع في كتابه أدب المعتزلة "أنه كان درع المعتزلة في القرن الرابع"، هذا المفكر الأديب يقول :
ولمَّا تنـاءت بالأحبة دارهم ..... وصرنا جميعًا من عيان إلى وهم
تمكن مني الشوق غير مسامح ..... كمــعتزلي قد تمكن من خصم
ولم تمنع المناظرات والندوات والسجالات الفكرية "للنظام" أن يصف العشق بكلمات يذوب لها الفؤاد، يقول فيها :
" العشق أرق من السراب، وألذ من الشراب وهو من طينة عطرة عجنت في إناء الجلالة، له سحابة غزيرة تهمي على القلوب فتشب شغفًا وتثمر كلفًا، وصديق دائم اللوعة ضيق المتنفس؛ إذ أجنَّه الليل أرق، وإذا أوضحه النهار قلق، صومه البلوى وإفطاره الشكوى ".
والموقف الذي يذهل في هذا السياق هو موقف الرشيد ذلك الخليفة العادل الذي كان يصلي لله مائة ركعة في اليوم، وكان يحج عامًا ويغزو عامًا لم تمنعه صلاته ولا حجه ولا جهاده من تذوق الشعر العاطفي ومن تلمس ما في صدور الشعراء، بل حثهم على الإبداع في ذلك المجال.
غضب الرشيد على جارية له فحلف ألا يدخل عليها أيامًا فقال :
صـــدَّ عنـي إذ رآنــي مفتتـن ..... وأطــال الصــد لما أن فطن
كـان مملوكي فأضحى مالكي ..... إن هذا من أعـاجيب الــزمن
وقال لوزيره اطلب من يَزيد على هذين البيتين، فقال جعفر بن يحيى ليس إلا أبو العتاهية (وهو شاعر الزهد والرقائق!!) فبعث فأجاب:
عــزة الحــب أرته ذلتـي ..... فــي هـواه ولو وجه حسن
ولهـذا صـرت مملوكًا له ..... ولهـذا شــاع مـا بي و علن
وما خشي من أعدائه الفكريين أن ينهالوا عليه لومًا وتقريعًا على ميله نحو الأدب العاطفي!! لسبب بسيط أنه لم يكن جرمًا أبدًا أن يعبِّر الفنان عن حبه ومكنونات صدره.
وأحب أن أشير إلى ما انتهى إليه د. جودة أمين في كتابه "آداب الأمويين":
إن الغزل أضحى فنًّا مشروعًا في المجتمع الإسلامي، يقبله الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون والفقهاء .
بل ربما عيب على الرجل كما يقول العقاد "في كتابه شاعر الغزل" : أن يتجافى عنه ويتوقر، فما من عالم ولا فقيه بلغت إلينا أخباره، إلا كان له من رواية الغزل والاستمتاع إليه نصيب موفور".
لا لم يعد الحزن مجديا
يا كنزي الغالي ولا الدموع
أيها الملاك القاسي الذي انصرف عني
كم أحبك
ميراثي بعدك تمثال من شمع بارد
لكني الآن أضمه الى صدري
في نسيج ذاتي أخفيه
أسكب عليه عبرات إيزيس
البردية الثانية
ذبحتك في قدس الأقداس ياقرباني
لا لن أغطي وجهك مخفيا عينيك عني
كم عشقت بحرهما الشمالي
عشقتك في الليل والنهار
حتى وأنا أحلم
امتزجت بلحمي
أدمنتك
أيقنت حين رأيت دمائك
أني اقترفت أم الخطايا
ونظرت في وجه آمون
فرأيت وجه القاضي والجلاد
الثوب الأسود في الخارج يتمزق ببقع باهتة على أرض المعبد
على بعد ساحق
أشباح تتعانق
تتهادى حالمة في الضوء الشاحب
حتى تختفي
البردية الثالثة
سكبت أحلامي على حجر أصم
كنت دائما كأني أطعم عصفورا صغيرا
ثم لا يلبث أن يطير
حتى يسقط بين ذراعيّ
أتلقفه متلهفا
أضمه الى صدري
كي لا تفلته يديّ المرتعشتين
يسقط الى أرض واقع صلب لا يرحم
البردية الرابعة
تحت أقدام آمون أجلس
أبكي رفات عصفوري
أودع شتات أحلامي
زهرة اللوتس تنظر الي بشماتة
تبكي بدموع سوبك وعيون ست
لم يستطع صوت الأنين أن يخفي ضحكات الآلهةعلى ضفاف حابي
كفرت بك يا آمون
ما أنت سوى دجال ألقى بظلال الوهم على أرض الكرنك
أيقنت عندما مات العصفور
أن رياح آنوبيس قد أطلت
وأن ميزان أوزيريس قد نصب
ولا فكاك الآن من السؤال
ما أقسى رائحة الموت عند أطراف طيبة
عندما تغرب الشمس
ترتفع قرون الكباش
ويأفل نجم آتون
قد يكبر الحزنُ فيصبح شجرةً وارفةً تُظِلُّنا أوراقُها اليابسة و قد يكبر الحزنُ فيصبح نهراً عميقاً يجرفنا نحو دواماتٍ سحيقة و قد يكبر الحزنُ فيصبح ليلاً مظلماً يلفنا سواده الحالك لكن . . ما أقسى أن يصبحَ الحزنُ دماءً تجري في عروقنا فتمنحنا حياةً أقرب إلى اللاحياة
(2) الحُلـــم المفقود
قد نفقد كل ما نملك . . لكن . . يتبقى لنا الحلم
فماذا يتبقى لنا إن ضاع الحلم ؟!
(3) انتظـار
عندما ننتظرُ أن تشرقَ الشمسُ في منتصفِ ليلِ الأحزان و ننتظرُ أن يسري الدفءُ في صقيعِ يومٍ من أيامِ نيسان و ننتظرُ أن تُورِقَ الأشجارُ في خريفِ النسيان و ننتظر أن يُولد الأملُ من رحمِ الحرمان حينها . . يصبح الانتظارُ أكبر عذاباتنا
(4) أقـوى مـن المـوت
الحبُ – سيدتي – لا يموت الحبُ - سيدتي – أقوى من الموت أبقى من الموت أكبرُ من الموت الحبُ – سيدتي – لا يعرف الموت فالحبُ روحٌ هائمةٌ في أفقِ الحياة مَلَكٌ سابحٌ في فضاءِ الخلود ماردٌ يعبرُ حدودَ الزمانِ و المكان يخترقُ حواجزَ الذكرى و النسيان الحب يبقى – سيدتي – بقاء الوجود
الحبُ – سيدتي – لا يهرم و لا يشيخ فالحب وردةٌ نضرةُ الحسن أوراقُها خالدة ربيعُها دائم شبابها متجدد الحب يحيا – سيدتي – حياة الخلود
الحبُ – سيدتي – . . سيدتي . . دعينا لا نتحدث عن الحب دعيه يرقد بداخلنا في سلام دعيه – بمفرده – يتحدى الموت
(5) هوامش على دفتر الذكريات
أقلّب صفحاتِ دفترِ الذكريات لا زلتُ أحيا بين سطورِ الكثير من صفحات هذا الدفتر لا زالت تسري بداخلي أحاسيسها و كأنني أشعر بها لأول مرة فهذه الصفحة أذكرُها جيداً ، أكاد أشم رائحة الألم المنثور بين حروفها و هذه الصفحة أكاد أراها صورة مرئية ، تكاد أصابعي تتسلل لتمسح دموعاً بللتها . أما هذه الصفحة فمنذ سنواتٍ و سنواتٍ تسكنني و أسكنها ، و كأننا أصبحنا قرينين يجمعهما وجع البعاد . و هذه الصفحة . . ، وهذه الصفحة . . ، .. آه .. ما أكثر ما حوى هذا الدفتر من شجونٍ و آلام
و يبقى الحنينُ لذكرى اللحظاتِ السعيدة هو الأشدُ إيلاما !
(6) عيـد ميـلاد
يـا قلـبُ . . كلُ جـرحٍ و أنت بخير
(7) مواسـاة
غمرني بنظراتِ العطفِ و الحنان . . ربت على كتفي بيدٍ حانيةٍ مواسياً : - من الألمِ يُولدُ الأمل
أجبته صامتاً بنظراتٍ شاردة . . فما أسخف كلمات الأملِ تعزفها قلوبٌ مترفةٌ على أوتارِ قلوبٍ ذبيحة
(8) النهـاية
همستْ لي من خلفِ دمعاتِها الكسيرة : - علينا أن نعترفَ بالهزيمة لم أجب . . سكتت الأحرفُ المشنوقةُ فوق سطورِ الألـمْ قالت لي : صدقت الأقدار و كذبت أحلامنا لم أجب . . سقطت آخر الأحلامِ المصلوبة فوقَ أسوارِ القدرْ قالت : لم يعد بالكونِ متسعٌ لأحلامِنا الصغيرة لم أجب . . رحتُ ألملمُ بقايا الحلمِ المنثورِ على جدرانِ الروح ارتمينا على حافة الانكسارِ مُنهَكين ؛ مُتعبَين سطّرنا سوياً بأيدٍ مرتعشةٍ فوق الرمالِ الباكية كلمةَ ( النهاية ) . . رحنا نتأملها صامتين . . نحتضنها ؛ نخبئها بداخلنا لعلنا نحتفظُ بآخرِ ما يجمع اسمينا معاً أبت الريحُ إلا أن تمحو آخر آثارنا . . ماتت كلمة ( النهاية )
(9) البـدايـة
ليس من السهل أن نكتب بأيدينا كلمةَ ( النهاية ) إنما الأصعبُ أن نخلقَ ( بداية ) جديدة .
(10) منـاجـاة
اللهم جئتك و قد غُلّقت الأبواب و ضاق الرحاب و تقطّعت بيّ الأسباب اللهم فافتح لي من أبوابِك و اقبلني برحابِك و هيئ لي من أسبابِك
اللهم جئتك – و أنت أعلمُ بي مني - اللهم جئتك – و أنت أقربُ لي مني – اللهم جئتك – و أنت أرحمُ بي مني - اللهم جئتك ؛ و هذا حالي كما ترى عليلٌ . . كما ترى سقيمٌ . . كما ترى كسيرٌ . . كما ترى فاحكم بما ترى . . فيما ترى فإنه لا حكم إلا ما ترى و لا عدل إلا ما ترى و لا حق إلا ما ترى يا من تعلم و تسمع و ترى و تحكمُ بالخير
سر من أسرار حياتنا أسرار حناننا، وكبشر نحن نعيش في هذه الدنيا ونحيا بالآمال، وان كانت لا تتحقق ونسعد بالأماني، وان كانت بعيدة المنال وطموحاتنا كبشر لا تتوقف مهما كانت الصعاب والأزمات، لأنه مادام فينا قلب ينبض وعقل يفكر وإرادة قوية فالحياة ما هي إلا أمان وحب.
إن الحياة التي تعيشها مليئة بالأحداث والأزمات والمسرات والأحزان ففيها الموت والحياة وفيها العذب والمالح، والأسود والأبيض.
وفي عمق هذه الأحداث والأزمات يعيش كل إنسان حياته وما فيها من غموض كمن يتخبط في ظلمة الليل، أو ما تتسم به من وضوح كوضوح الشمس، وحين يعيش أجواء السعادة يشعر بنشوة وانتصار يمدانه بدفء ليته لم ينسل منه، هكذا هو الإنسان أحيانا يظن بإمكانه البقاء على وتيرة واحدة، وهذا المحال بعينه "فدوام الحال من المحال"، ولذا نرى أنفسنا في كثير من الأحيان أننا لم نضع في تصورنا كما أننا قد سعدنا، انه ربما تأتينا فترة حزن نعيشها مع أنفسنا أو مع الآخرين. وأكثر ما ينبغي من الإنسان أن ينظر إلى الأمور بمنظار الأمل مهما تعرض لأزمات ومصائب وأثرت عليه نوائب الدهر، لأن غده ربما يكون أفضل من أمسه.
فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي ملئ بالمشاعر والأحاسيس يبقى طوال عمره في رحلة بحث دائمة ودءوبة عن السلام الداخلي والعثور على إنسان يكون فيه سر من أسرار الحنان.. يشعره بالأمان، يحتاج دائما إلى الحب والحنان، إلى من يهدهد طفل أعماقه، ويقتسم معه رغيف الحزن وماء الحلم.. نحن جميعا نحتاج إلى شخص واحد يهتم بنا على الأقل، شخص يحن إلينا دائما، شخص نراه ونسمعه بصدق، نلتصق به كالتصاق الورقة بالغصن، ونلتقي به كالتقاء الوردة بحبات المطر، شخص واحد على الأقل بشرط أن يرعى بإخلاص وحب وعمق، وإن يكون سرا من أسرار حياته كله حنان، وأحيانا قد تكفي إصبع واحدة ليحول دون انهيار السد الكبير، وقد تأتي شمعة واحدة لتنير كل الظلام المخيف، وقد تؤدي لمسة واحدة حانية إلى تجفيف منابع الحزن، وقد تغير ابتسامة حب صادقة الواقع المؤلم إلى أمل مشرق، فالحياة من دون شخص نحبه باهتة تصفر فيها الريح، لا طعم لها ولا لون، كالصحراء القاحلة التي ليس فيها واحة السكينة والأمان بعد التعب والعناء الشديد من آهات وآلام ومسار ورحلات العمر، فكم أننا جميعا نحتاج لشخص يحبنا ونحبه، نفتقده عندما يرحل، إننا نجري في حياتنا ونختبئ ونتألم في داخلنا من تلك الذكريات التي لا نستطيع الهروب منها ومن الآلام الساكنة في قلوبنا.
فما أجمل الآمال التي نحيا بها، وما أجمل الحياة التي نعيشها فقط عندما نجد ذلك الإنسان، ذلك الشخص الوفي، المليء بالحنان، عندما تجد من يحبك.. ما أجمل الحياة حين تنظر إلى من يراك، ما أجمل الحياة حينما تضع عينيك بعيني من تحب، وما أجمل الحب، ذاك الحب الذي لا يعترف بمسافات أو مستويات، ذلك الحب الذي مهما كان ومهما حصل يبقى حبا أصيلا، حبا صدوقا صادقا، وما أروع تلك اللحظات عندما يسود الحب كلا منا..
فمن لا يحب؟؟؟؟!!!!!!!
همسة حانية:
اصمدي يا قلوب.. واجتمعي يا مشاعر في ربيع العمر، وفي خفقات القلب، وانفضي يا نفوس غبار الحزن عن القلوب قبل أن تصدأ، واتحدي يا نفوس على ألا تنحني، وجددي يا نفوس آمالك بالحب..
فالحنان هو سر الحب.
عالمنا هذا - يا سيدتي - عالم الواقعيين : الذين يقسمون أنه لا شيء أقبح مما هو كائن . و عالم الكلاسيكيين : الذين يقسمون أنه لا شيء أجمل مما كان . و عالم الفوضويين : الذين يقسمون أن الماضي و الحاضر و المستقبل في القبح سواء . و عالم السرياليين : الذين لا يفهمون أحداً و لا يفهمهم أحد . أمال الرّومانسيون الذين يرون شيئاً من القبح و شيئاً من الجمال في ما كان و في ما هو كائن و في ما سيكون ، أما هؤلاء فقد لفظتهم كل الموانئ ، و لعنهم كل النقّاد ، و سُحبت منهم جوازات السفر ، و وُضعوا على كل القوائم السوداء .
و ذنب الرّومانسيين - يا سيدتي - أكبر من أن يُغتفر ... الرّومانسيون - يا سيدتي - ينظرون إلى القمر و ينسون الأخاديد و الوديان و مركبات الفضاء و ينظمون قصيدة شعر . الرّومانسيون - يا سيدتي - يستنشقون الوردة بشبق دون أن يعكروا لحظة النشوة بذكرى السماد . و الرّومانسيون - يا سيدتي - لا يزالون يؤمنون
بالحب في عالم لا يؤمن إلا بالإيديولوجيات و الدايلكتيكية و حتميات التاريخ . و الرّومانسيون - يا سيدتي - يرون في العالم المملوء بالعرق و الدماء و الدموع وعداً بيوتوبياً طيّبه قد تجئ .. و قد لا تجئ . و الرّومانسيون - يا سيدتي - ينقرضون .
سيدتي .. تحدثي معي قليلاً ... فأنا آخر الرّومانسيين !