|
البحث عن ملاذ درامي آمن
لا ريب في ان أمثالي من المخضرمين و محبي الفن الأصيل يجتهدون الآن في البحث عن ملاد آمن يحتمون فيه من هدا الهجوم الوحشي الضاري علي كل ما له قيمة فنية أو ثقافية في هدا البلد ( ناهيك عن تردي الوضع السياسي ). و ليس هدا بمطلب مستحدث فحتي الدول الرأسمالية تتيح لمن يشاء من المشاهدين و المستمعين محطات و قنوات خالية من نفود الاعلان فهناك قنوات في البي بي سي في بريطانيا تتخصص في اداعة الموسيقي و الأعمال الدرامية و التحليل
الاجتماعي و الثقافي و الفني ، وهو ما نجده أيضا في فرنسا و غيرها من الدول الأوروبية، و حتي في الولايات المتحدة خصصت محطات سي سبان الاداعية و التلفزيونية لخدمة المواطنين بعيدا عن تاثير الاعلان.
و لنتفق في البداية علي أن هدا التدهور المريع و الهبوط الحاد لكل القيم الفنية و الدرامية ليس الا انعكاسا للتدهور السياسي الدي نعني من تداعياته لأكثر من ربع قرن. غير اننا نظن ان التدهور و الهبوط الفني و الدرامي قد انحدر الي ادني المستويات مستبقا التدهور السياسي و متفوقا عليه ، وهدا في حد داته اندار بشر مستطير ، فعندما تتجرد الأمة من قيمها الأخلاقية و الثقافية و الفنية ، فإنها تكون بسبيل الاندحار و التردي في غياهب الفوضي
والظلم و الجريمة.
و لعل دلك يرتبط ارتباطا وثيقا بانهيار الطبقة الوسطي ، تلك الطبقة الخلاقة التي تقود العمل السياسي و الاجتماعي ، و تحافظ علي القيم و الثوابت.
وقد راودتني هده الانطباعات عندما أغلقت عيناي و أدناي مع أمثالي - من البقية الباقية ممن عاش و تدوق الأدب الرصين و الفن الجميل في اطار من القيم النبيلة التي سادت مصر قبل ان تتدهور كل الأوضاع في السنوات الأخيرة - أبحث عن قنوات او محطات آمنة لا يقتحمها اعلان سخيف يفسد السمع و الدوق معا .
و عن ملاد آمن يقيني من سماع و رؤية انتاج شهر رمضان من المسلسلات و البرامج التي لا تطرب أدنا ولا تسر عينا .
وفي البحث عن سبب مباشر لهدا التدهور السريع برامج التلفزيون ( و لا نستثني الإداعة ) ، تبين أنه سيطرة الاعلان علي كل منتج ثقافي او فني ، فقد اخد الاعلان مستندا الي جبروت امواله يتدخل في هده الاعمال ليفسدها بتطويعه لها حتي تتواءم مع مقاصده الاعلانية . و ليس هدا بغريب في ضوء حكومة رجال الأعمال و سيطرة رأس المال علي الحكم . كل شيئ يخضع للمعايير التجارية ، و قد طاردنا الاعلان في كل منحي حتي بعد ان تركنا له التلفزيون متدثرين
ببرامج اداعية صاحبناها مند عقود مثل البرنامج الثاني الدي استبدل بالبرنامج الموسيقي و البرنامج الثقافي الدي نفي الي ساعات متاخرة و خصصت له موجة ضعيفة قد لا تصل الي بعض اطراف القاهرة، لقد سيطر الاعلان علي الإداعات المتخصصة مند فترة ة لكن الجديد و المخيف أنه قارب علي اقتحام آخر معاقلنا ، فوداعا للسيمفونيات و الموسيقي الكلاسيكية و موسيقي التراث لانها ستخضع للمقتضيات الاعلانية ، فليس مسموحا لك ان تستمع الي السيمفونية او الكونشرتو كاملا ، و ارجو الا تسري هده المقتضيات الاعلانية علي الأعمال الطويلة لأم كلثوم و عبد الوهاب و فريد
الاطرش و عبد الحليم حافظ . و ادا كان هدا المخطط قيد التنفيد في غضون شهور قليلة فاننا نرجو ان يتنبه الي خطورته وزير الاعلام خشية ان يتطور اسم منصبه الي وزير الاعلان .
و لا نريد الخوض بالتفصيل في ازمة الدراما المصرية فلست ناقدا و لا ممارسا و ان كان لي بعض الاعمال الدرامية و الروائية القليلة و المتواضعة ، غير انني كمشاهد و متدوق ارجع اسبابها الي الفقر الشديد في متابعة التطورات الجديدة في كل عناصر الفن النلفزيوني يصاحبه احتكار بغيض و توريث كريه يمارسه ما لا يصل الي عشر شخصيات من الممثلين الدين نفد عطاؤهم و لا يريدون ان يتركوا الساحة ، و مثلهم من المخرجين و الفنيين الدين توقفت
معارفهم عن ملاحقة كل جديد ، و مثلهم ايضا من الكتاب الدين نفدت بضاعتهم و راحو يعيدون علينا منجزاتهم بعد ان يلبسونها بغطاء جديد. و يسري دلك عل ممثلي الصف الثاني الدين اصبحوا مقررا اجباريا علي المشاهدين يرونهم في اكثر من مسلسل و اكثر من شخصية في دات الموسم .
و من هنا فقدنا الريادة و تفوقت الدراما السورية المتميزة رغم ضعف مكانياتها المادية ، فالمخرج السوري أو التونسي قادم من عمل أو دراسة في أوروبا أو أمريكا ، يتابع المستجدات و التكنيكيات المستجدة ، كدلك لا تعرف الدراما السورية سيطرة النجم علي العمل الفني و تدخله في كل نواحي العمل بما فيه الاخراج و اختيار الممثلين، كما لم تصل أجور الفنانين السوريين او العرب غلي تلك الأرقام المليونية المفزعة التي توجد عندنا و التي اقحمت
علي الساحة رتلا كويلا من غير الموهوبين الدين يعتمدون علي وسائل أخري غير فنية لاحتلال الشاشة الصغيرة و الغرف من ملايينها.
وادا تطرقنا بايجاز شديد إلي بعض سلبيات الدراما التلفزيونية ، فإن العبء الأكبر يقع علي كاهل ممثلي الصف الأول الدين تربعوا علي عرش النجومية لثلاثة عقود أو يزيد و لا يرغبون في الاعتراف بأن عطاءهم قد انتهي و أنه من الخير لهم و لنا أن يتنحوا لإعطاء الفرصة لجيل جديد أكثر معاصرة و أعمق إبداعا.
و في الاخراج وهو المجال االثاني الدي يتطلب التحديث و التغيير ، فما زال التمثيل أمام الكاميرا مسرحيا ، يتجاهل كل ما هو حديث في حرفيات الاخراج ، و نكرر هنا الدعوة إلي التجديد و ضخ مواهب جديدة لجيل جديد من المخرجين .
المجال الهام الآخر هو النص الدرامي أو ما يسمونه بالورق ، فقد أصبح النص الجيد نادرا لا نحصل عليه دون عناء ، و لعل دلك يفسر تواتر اللجوء الي الدراما التاريخية و دراما السيرة الداتية ، التي يكون لها وقعها الدرامي الخاص و لا تتطلب جهدا في صياغتها الدرامية ، و علي كبار كتاب الدراما الإعتراف بالـــحاجة للتجديد ، و المبادرة بالتنحي حفاظا علي انجازاتهم التي نجلها و نحترمه .
و المؤكد أن طريق الاصلاح مليء بالصعوبات و تكتنفه الحواجز و الأشواك ، فنحن بصدد تدهور اجتماعي و سياسي خطير و لن تنصلح الدراما و غيرها من الفنون الا باصلاح شامل ، و لن نتخلص من التغول الإعلاني في هدا المجال ،إلا بفض تحالف السلطة مع رأس المال .
و علي الرغم من دلك فإنني - كمشاهد و مستمع - و قد تضاءلت أمامي الآمال ، لا أملك الا ان أسلم العنان لخيال جامح أطرح فيه اقتراحا فانتازيا هو أن يقام مهرجان فني كبير يحضره كبار المسئولين و الفنانين و الكتاب و غيرهم من القائمين بالأعمال الدرامية يجري فيه تكريم كبير لعشرة نجوم من كبار ممثلي الصف الأول و مثلهم من نجوم الصف الثاني ، و عشرة آخرين من كبار المخرجين ، و عشرة ثالثة من كبار الكتاب ، بمناسبة اعتزالهم ، يتم فيه
تقليدهم أوسمة عالية مقرونة بجوائز مالية كبيرة وفاء لهم واعترافا بنجوميتهم و جهدهم ، و بدلك قد نمهد الطريق أمام جيل جديد من الموهوبين لعلهم يفلحون في دضخ دماء جديدة للجسد الدرامي المترنح يقيله من عثرته و يضعنا علي طريق التطوير الحقيقي للإبداع الدرامي ، طالما تملك الجيل الجديد واهبا و ابداعات فدة تستطيع وقف تدهور الدراما و النهوض بها .
و نمضي في التمني فنتصور أنه تم الإستجابة إلي طلبنا في تخصيص قنوات تلفزيونية و اداعية خارج سيطرة الاعلان حتي تفتح الطريق أمام نوع جديد من الأعمال الجادة التي تنبعث من قدرة علي الإبداع بعيدة عن إغراء و نفود أموال الإعلان .
بعد هده الملاحظات العابرة ،فاني اضم صوتي لمن يطالبون اصلاح درامي عاجل و ناجز جتي تقوم الدراما التلفزيونية بدورها المؤثر و المطلوب في توعية المشاهدين و امتاعهم بأعمال جيدة و هادفة .
القاهرة:30 أغسطس 2009 الســـفير
ابراهيم يسري
عضو اتحاد الكتاب
|